بداية المُنتهى التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف أقصوصات

ليلة شتوية

في ليلةٍ شتويّةٍ باردة قال عنها خبراء الطقس أنها قد تكون أخفض درجة حرارة تمرّ على المدينة.. تحضَّرَت وارتدت ثياب النوم الثقيلة، اضطجعت وتدثرت بغطاءٍ من فرو دافئ، من فوقه غطاءٌ حُشي بالاسفنج السميك. نسيت أن تغلقَ النافذة، لكن كان من الصعب عليها أن تتخلى عن كل هذا الدفء لتواجه الهواء البارد الجاف؛ لتغلق مصدره.. عقلها المرتجف رفض الفكرة واقترح عليها أن تتكور حول نفسها وتَدُسَّ رأسها تحت طبقتي الغطاء وتتجاهل النافذة، ففعلت. بعد أن هدأت تحت غطائها وبدأ الجو يصبح أدفأ، أخذت تفكر.. بحياتها، بالواقع الذي تواجهه كل يوم.. باليوم الذي أنهاها قبل أن تنهيه، بنوبة البكاء والحزن ظهيرة اليوم.. بأمنياتها المتراكمة فوق رفوف الأحلام.. كل صباح ترفع رأسها لتنظر إليها.. هي أمنياتها.. لكن لا ارتباط لها بتلك الأمنيات سوى برغبةٍ دفينة في روحها؛ روحها اللاهثة مدعيةُ السعادة، التي مضى عليها الزمان وما زادها إلا ضعفاً.. يطول تفكيرها.. تخمن أنها قد أمضت نصف ساعة منذ أن خلدت للنوم.. تخرج رأسها من بين الأغطية لتتأمل السقف، تتنهد ثم تهمهم قائلة: "لا فائدة من النوم مبكراً" متظاهرةً حول الحزن الذي ألجأها للن...

سخي الروح

وكان دائماً يأخذ الحياة على محمل الجد والكبد الشديد، ولا يرى إلا أصعب الطرق وأطولها، ولا يتأفف ولا يشتكي من ذلك، لأنه كان يعلم في قرارة نفسه أن لا شيء ألذ من بلوغ الغاية بعد أن أخذ ذلك السعي شيئاً ثميناً منه، كان يؤمن إيماناً شديداً بالأخذ والعطاء. وكان يحب الصحراء؛ كأن يرى أهله في التراب المتراكم على مد البصر، يمضي الليالي في الفيافي مستأنساً بأمواج الرمال هادئةً نفسه بينها، مرتقباً أيام الإجازات -طويلها وقصيرها- ليهرب بأخف ما يمكن من صخب المدينة إليها. بعد أن أوسع الله له في رزقه وأكرمه بوفرة المال والبنين؛ ضرب الأرض في أحب بقعة لنفسه في تلك الصحاري واسماها "فضاي"؛ فقد كان يراها عالماً لوحدها، كأنما كان باب "فضاه" باباً لعالمٍ موازي؛ فمذ أن تلوح جدران "فضاه" تنفرج أساريره وتختفي نصف تجاعيده ويعود أبيض شعره أسوداً، ويبسم دونما حاجة، ويقفز دونما أن تثقل عظامه وأمراضه من حركته؛ كأن روحه التي تقفز من خفته. وكان كريماً، فيعطي ضعف ما يأخذ، وقد يفوته كل شيء لأن نفسه استحت من أن تمد يدها تسأل عن حقها. لذا عندما بلغ السبعين بهذه الروح الكريمة وسقط على فراش المرض ...

البيت

أحب البيت، ويعجبني نص خالد أحمد توفيق عندما قال: "أحب فكرة البيت"، وتدفئوني فكرة امتلاك مساحة خاصة، مليئة بالأحباب، وأحب أن لي شيئاً في الأرض أعود له بظهرٍ منحنٍ وكتفٍ منهك كل مساء فينسيني كل همومي عند أول خطوة على أعتابه.. أحب كيف نمضي ليالي الشتاء متحلقين حول موقد النار، نرتدي ملابس ثقيلة بألوان داكنة دافئة، بالكاد تبزغ وجوهنا خلالها، أحب عندما نضع إبريق الحليب بجوار الحطب ليبقى دافئاً، بينما نغمس الشابورة في كؤوسنا المملوؤة به، نسابق بالشابورة أفواهنا خشية أن تنكسر، فنسبقها مراتٍ وتسبقنا. أحب كيف يعج البيت بالضجيج أثناء تحضير مائدة الطعام، أو قبل الخروج لأي مناسبة أو موعد، أحب كيف تتحول السلالم لطريقٍ سريعٍ مزدحمٍ بالأرجل، التوقف فيه مستحيل وقد يودي بحياتك وحياة الآخرين، أحب اللحظات التي نستعير فيها أدوات بعضنا لإكمال زينتنا قبيل الخروج، وكيف نحشو حاجاتنا مع صاحب الحقيبة الأكبر. أحب النهارات الصيفية في البيت، تلك الأيام التي تمتلئ فيها ثلاجة البيت بأنواع المثلجات، ونرتدي فيها أخف الثياب وأزهاها لوناً، ونخرج سوياً للشاطئ أو للمنتجعات، ونلتحق بأحد المراكز أو النوادي الصيفية ...

وادي السكون

في بلدة ما.. في وادي من أودية منطقة ساحلية بعيدة عُرفت هنالك عائلةٌ باسم عائلة السكون؛ إذ أن العائلة جلُّها من الصمّ، أصمٌّ يلدُ أصماً، شعرت العائلة بالنبذ والوحدة بين العوائل الأخرى، إذ كان الجميع لا يجدون طريقةً يتواصلون بها معهم، بل كانوا يتحاشون البيع والشراء معهم إذ لا يفهمونهم ولا يجدون حاجةً لذلك. شعرت عائلة السكون بأن الوقت قد حان لينتقلوا لمنطقةٍ أخرى ليعشيوا فيها وحدهم بدون أي ضغط أو شعور بالضعف والنقص. لاحقاً عُرفت منطقتهم الجديدة باسم قرية السكون. وفي إحدى الأيام الصيفية.. أحدُ أولادهم صعد لجبلٍ قريب ليستكشف المنطقة لكنه تعثر وسقط على رأسه وأصيب. مكث طريح الفراش لأيام، وبعد أن استيقظ وجد نفسه يسمع! سمع صوت الأقدام في الغرفة المجاورة، وصوت الأطباق في المطبخ، سمع صوت الأطفال يصيحون في أقصى البيت! قفز من مكانه وأخذ يضرب رأسه بيده قلقاً وخوفاً من هذه الأصوات غير المفهومة بالنسبة له! لم يكن يعرف ماذا تعني كل هذه الضجة، وليس يفهم كيف صارت تدخل لرأسه فجأة بعد أن استيقظ! رويداً رويداً أخذ يعتادها ويتحمس لاستكشاف أصواتٍ متخلفة فأمضى فترةً يركض لكل مكان ويتعرف على الأصوات الجديدة وي...

كتف

اليوم يصعب على صدره أن يسع الهواء، يفتح فمه بوسعه مستجدياً نسمة هواء توَّسع رئته، يغلق فمه خائباً بأنصاف نسمات، يقف مستعيناً بالمعين ويجرّ قدميه بثقل نحو سريره، يجلس، ويتمدد على ظهره مريحاً إياه، لكن لا يرتاح ظهره، ولا يقع من على كتفيه شيء، إذ ليس للجاذبية سلطة على الهموم، فتثبت على كتفيه كأنما تعض الأثقال بنواجذها عليهما، تذكّره باستحالة الراحة ثانية بعد ثانية، لا هدوء، ولا نوم هانئ. يغمض عينيه وترتجف جفونه؛ رافضةً الإطباق، ينام لكن لا ينام. يستيقظ في الغد متنهداً، هو الوحيد الذي يتنهد فور استيقاظه، بينما يتثاءب كل البشر. يخرج لعمله، ويلقي بجسده على كرسيه كرئيس، هو الذي لا يعرف للتباهي ولا للغرور طريقاً ولا يمشي بين الناس فرحاً رافعاً أنفه مغروراً بمنصبه، حتى إذا سأله أحدٌ خارج عمله عن وظيفته، يقول: مدرس، يعلل ذلك لي بقوله: أنا أدرس الموظفين وأعلمهم شغلهم. يتوافد عليه في عمله الجديد عشرات المراجعين يومياً، كلُّهم تملأ أفواههم الكلمات، تفور دماؤهم، يسمع لكل هؤلاء ويسعى في كل حلٍ يراه وجيهاً لمشكلاتهم، حتى أنه ينسى أن يتناول قهوته الصباحية، إذ لم يكن يهتم كثيراً بأمر الإفطار، وكل متعته...

جابر

تنويه: هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية. في إحدى المدن الرئيسية المزدحمة بالبشر، المزدحمة بالأحلام والأمنيات، بالجوع والفقر والتخمة والثراء الفاحش، بهذا تكونت المدن، بكل المتضادات التي تعرف. في إحدى أحياء المدينة كانت تقطن عائلتي لثلاثة أجيال، كنا عوائل متفرعةً صغيرة، نقتسم بنايتين بستة طوابق، كان جدي ثرياً ومعمارياً وفيضاً من الحنان قبل كل ذلك، فكانت وصيته ألا نفترق، ألا يشق أحدهم صفنا، سواءً من الداخل أو الخارج. وعلى هذا كبرنا، يمرح الصبية مع أبناء خالهم وعمهم كما لو كانوا أشقاء. وأعمامي كأبي إن غاب أو حضر، كلنا على قلبٍ واحد. عمي الأكبر جابر، كان أكثر أعمامي شبهاً بجدي، توزعت صفاته في كل أبنائه وبناته ثم عادت واجتمعت في عمي جابر، كان له ذاك الحضور الجذاب، رغم كونه كبير العائلة إلا أنه لم يخلق ذاك الحاجز والمسافة مع صغار العائلة التي تجعلك تجفل منه، فكان يمازحنا ويلاعبنا وينادينا بكنىً مضحكةٍ كل حين. لدى عمي جابر ابنةٌ في مثل عمري، وبحكم تفرغ عمي في الفترة الصباحية فقد حمل عن والدي مهمة توصيلي يومياً للمدرسة، فصار المشوار اليومي الخانق أمتع المشاوير في العالم! فعمي كان يقدم السعادة و...

‏طمئن فؤادك فالأقدارُ حانيَةٌ

 ميمونة أختي الصغيرة، لطالما كانت مختلفة، قلقة ومرتبكة، بل يأكلها القلق وجبةً دسمة، تنظر لكل الزاويا في كل الحوادث قلقةً من أن يفوتها تفصيلٌ صغير مهما قلَّت أهميته، كانت تسعى بمثابرة شديدة لئلا يفوتها شيء، تغضب إن فاتها اجتماع العائلة يوم الجمعة، ويتكدر صفو خاطرها إن فاتها المطر. تقرأ لافتات المتاجر بينما تستقل المواصلات.. وربما غضبت لتفويتها الاسم الأخير للمتجر، فتضطر لفتح خرائط قوقل لتهتدي أخيراً لاسمه الكامل، كانت تركض للمقدمة دوماً، تصرُّ على مشاهدة المكان من أقرب نقطة، حتى في حفلاتها المسرحية التي تنضم فيها للطاقم، يوم الأداء تقترب من الستار -والحضور لهم ضجيج- فتفتحه ليسع عينيها فتقلبهما يميناً ويساراً؛ تخشى أن يفوتها مشهد الجمهور محتشداً عندما يأتي دورها لتعلتي الخشبة، كانت بهذا القلق والحرص تقابل عالماً غير مبالٍ وغير آبهٍ بمعضلات الإنسان. لا يعرف أحدٌ منا أنها مصابة بالقلق وهوس التفاصيل، كنَّا نعتقد أنه مجرد حرص واهتمام بالكمال، حتى قالت لي ذات يوم "قد تظنين أنني جَلدة ومجرد حريصة، لكنني غارقة في التفاصيل والتدقيق والقلق غير المجدي" وبين هذا وذاك، توفيت "غيم...

خلاصة العمر أيامٌ أراك بها

قد أكون ضعيفة جاهلةً عندما آتيك بدون تاريخٍ من خلفي، وأطلب منك أن تحبني وأن أحبك، لكن لم يعد يهمني أمر عودة ذاكرتي، أنا سعيدة بحالي هذا، سعيدة بأنني أحبك، وتحبني، أنا سعيدة! واستيقظ كل صباح بشعورٍ أفضل من الصباح السابق، لا أعرف كيف كانت حياتي سابقاً وهل كنت سعيدة أم تعيسة، لا أعرف كم بكيت وكم ضحكت ولأي مدىً أحببت، لكنني أعرف جيداً أنني في حياتي الجديدة بكيت مراتٍ أقل وضحكت مراتٍ أكثر وأحببتك أكثر وأكثر. لست بحاجة لذاكرة طويلة لعيش حياةٍ سعيدة، أنا بحاجة لك فقط، ولسماءٍ تظلّنا وتمطرنا معاً. أنت ذاكرتي وحياتي وحبي. _________________________________ الشطر في العنوان للشاعر زكي الياسري: خلاصة العمر أيامٌ أراك بها وما سواها من الأيامِ تبديدُ

إن كان حلمكِ أن يحبَّكِ شاعر

أحمد شاعرٌ معروف بحسن أبياته وجزالة قصائده، كان يتقن الكتابة على غالبية بحور الشعر، استعمل قوافٍ صعبة، تلاعب بالكلمات، كتب الفصيح والنبطي وخاض في الغزل والرثاء والهجاء، كانت اللغة تنساب من بين يديه ويشكِّلها كما يشكل الفخاري طينه كيف اشتهى. كان أحمد مشهوراً وذو حظٍ واسعٍ من القبول والمحبة بين الناس. صفاء هي زوجة أحمد الذي غبطنها نساء العالم جميعاً لكونها زوجته الأولى والوحيدة، ومن البديهي والمتعارف أن يكون إلهام الشاعر من محبوبته وزوجته، وبهذا الاعتقاد غرقت زوجة أحمد بحبٍ غامر وسعادةٍ دافئة وهي تتلو أبيات زوجها بكل خشوع. لم يكن في الحسبان أن ثانيةً كانت تزاحم إلهامه، أو ربما تتفرد به لوحدها. _________________________________ الشطر في العنوان من الشاعر ياسر الأقرع: إن كان حلمكِ أن يحبَّكِ شاعرٌ ها قد أتيتكِ شاعراً فخذيني

كعك هاجر

صباحٌ غائم، وندىً على أوراق الشجر، وأختي الصغيرة تشاركني حلواها هامسة "لا تخبري رنيم أنني قاسمتكِ الحلوى لأنها ستطالب ببعضها وأنا أحب الحلوى كثيراً.. لكنني أتقاسمها معك لأنني أحبك أكثر" أتساءل لو كانت الدمية رنيم ستغضب لو سمعت هذا الحوار؟ تصيح بنا أمي لتناول الافطار "حضّرت لكم الفطائر المحلاة!" إنه الصنف المفضل لدي على الافطار!، .. عندما فرغ الطبق وامتلئ هذا البطن الصغير بلذائذ الطعام، فكرت.. "أليست هذه الحياة المثالية؟" ضحكت على مصطلح المثالية وقمت أحزم أغراضي لحضور الصفوف، بالرغم من أنها اجازة الصيف إلا أنني التحقت ببعض الصفوف لأن أمي تقول دوماً "عليك تجربة كل شيء في سن صغيرة، عندما تكبرين ستتشابك الأمور كخيوط بيت العنكبوت وتقيدك!"، وأعتقد أن نصيحة أمي هذه كانت كفيلة بكرهي للعناكب "من سيحب شيئاً سيقيده؟!"   بعد الظهيرة كان لدي صف طبخ، وهو الصف المفضل لدي، لا أعرف أروع من طهي الطعام اللذيذ وتقديمه لمن نحب، أعني أننا نصنع شيئاً مذهلاً لذيذاً من مواد أولية بسيطة، دقيق وسكر وبعض الزبدة والبيض، وتخرج لنا كعكة شهية لذيذة!، أما السبب الآخر...